Thursday, 10 March 2011
صور تذكارية - حدث بالفعل
1
كان والدي و أنا نبحث عن جهاز استقبال للأقمار الصناعية في سوق كبير للأجهزة الكهربية بجدة, و كنت حينها صغيراً....و لا زلت.
هذا اليوم تحديداً تعلمت شيئاً شديد التميز, دخلنا و لم نجد عند البائع الهندي طلبنا في النهاية, لكن البائع تلكأ في إجابتنا بالنفي إذ كان يرقب التلفاز بعيون حمراء هو و مجموعة من الرجال الهنود كذلك, كانوا يتألمون مما يحدث في بلادهم بين الهند و الباكستان.
قال والدي مبدياً تشجيعه للجالسين و هو يتأمل الأحداث أمامه فوق شاشة التلفاز أنه يتمنى النصر للباكستانيين لأنهم رجال بحق, نظر الرجال لوالدي في ذهول و أجابه البائع في هدوء أنهم كلهم هنود و ليسوا باكستانيين,اعتذر والدي و شعر بحرج شديد, و تفهم البائع إذ إنه من المستحيل تقريباً أن تفرق بينهم بالشكل, لكنني فهمت شيئا أكبر من البائع و أجهزة الاستقبال و الهند و الباكستان.
2
كانت جمعية طلابية علمية,
عندما كتبت طلب التقدم, كتبت أنني متوسط من حيث الالتزام بالقوانين,لم أقل أنني سيء أو مستهتر لكن لنقل أنني متميز أكثر في نواحٍ أخرى, في المقابلة كان آدائي مميز-أو هكذا أعتقد-طلب مني أن أقدم خمسة استخدامات لزجاجة مياه بلاستيكية كنوع من اختبار للعصق الذهني, قدمت ثمانية في أقل من دقيقة و نصف و كنت أواصل الابتكار حتى طلب مني أن أرحل من أمامهم (كان السؤال الأخير في المقابلة), نعم هناك سؤال أجبته إجابه متطرفة نوعاً لكن أنا-أو هكذا أعتقد-لست مثالاً للإنسان الانتهازي أو الفهلوي أو الوديع,سألني لو أن أجنبياً في برنامج التبادل الطلابي أخذ يثير الشائعات بين آخرين بعد أن جاء لمصر و خالط مصريين أن المصريين قوم متعصبين و متطرفين دينياً-و هم لم يروا ذلك و لا هو- ماذا ستقول له؟,دار في خاطري أن أقدم الإجابة النموذجية:نحن بلد الأمن و الأمان إلخ...و لكن:
أجبته:هقوله لما إنتا شايفنا كدا من الأول جيت ليه؟
أعلم أنها إجابة خارج النص
لكن أنا لي تعامل مع طلاب من جنسيات خارج مصر, و أفهم تحديداً كيف يفكرون عنا
لكن لنقل إن هذا خطأ وحيد,
سألني:ماذا لو عملت في فريق و هناك رأي لم يعجبك كيف ستتصرف؟
أجبته:أقنع الآخرين برأيي,أو يقنعونني
سألني:لو لم يقتنعوا كلهم
أجبته و أنا أفكر في رائعة لوميت أحد عشرة رجل غاضب:أقنعهم كلهم أو يقنعونني
في النهاية
تفاجأت حين لم يقبلونني في الجمعية
لكني لم أتفاجأ أبداً
خلال أحداث 25 يناير و تبعاتها أن أعضاء الجمعية-معظمهم و ليس جميعهم-لم يؤيدوا الثورة
إطلاقاً
و كذلك الأجانب من أصدقائي!!!!!
3
ليلة رأس السنة
عندما دقت ساعة منتصف الليل كنت أطالع كتاباً في الجراحة في مقهى بلاستيكي من مقاهي شارع جامعة الدول واحد آخر من تلك المقاهي التي أعجز عن فهم أسماء المشروبات في قوائم طلباتها, كنت مع صديق لي و قد قررنا أن نكون مجددين, هو اختار أن يخرج مع صديق لا صديقة و أنا اخترت أن أخرج مع إنسان من لحم و دم بدلاً من نفسي, و كلا الموقفين كسر للعادات الشخصية.
أعلن هاتفي النقال عن استلام رسالة نصية جديدة, فتحت الرسالة حينها فرحت:
فرحة جعلتني أشكر الله أن لي صديق بهذه الروعة
كانت تلك أروع رسالة تلقيتها, رأيت أن أخلد الموقف و أتحفظ على محتواها حفاظاً على خصوصية المرسلة
4
يوم الخامس و العشرون من يناير
يوم الثورة
كنت أركب ميكروباساً عادياً جداً
كان هناك رجل أشيب يكلم طفلاً في نحو الثامنة
ابنه في الغالب,
و هما يجلسان بجانب السائق
و قد وقف في ميدان باب الحرس بدمياط نحو عشرون شاباً فقط يهتفون بسقوط النظام
قال لابنه:
-دول شوية شباب فاضي و هايف.....اوع تعمل زيهم
قال له السائق الشاب بحده:
-بص يا باشا:لو العربية دي بتاعتي كنت نزلتك إنتا و ابنك و وقفت مع الرجالة!!!!
5
في الصف الأول الثانوي
كانت الحصة التي تلت الفسحة مباشرة
و كنت أشعر بالكسل الشديد
بمعنى أنني غير قادر على التفكير السليم, لا سيما أن هناك امتحان بعد غد في اللغة الإنجليزية و كانت الحصة درساً للغة العربية التي كنت أعبدها و لا زلت,
لم يستطع زميل أن يجيب عن سؤال سأله ذلك المعلم الذي لم يستلطفني يوماً-و إن كان مضطراً أن يحترمني-و وقف الزميل مطرقاً للأرض وجهه,
سألني السؤال-كان صعباً و ربما أراد مفاجأتي لإحراجي-أجبته متساهلاً و أنا جالس بينما العرف أن يقف الطالب و هو يجيب,
قال لي:
-بقيت خلاص تجاوب و إنتا قاعد...كبرت
في نفس اللحظة-أقسم أنه حدث في نفس اللحظة....طُرق باب الفصل و فُتح عن صديق و زميل من الفصل المجاور الذي لا يفصل عنه سوى جدار, ليطلب اسمي تحديداً:
ذهبت و أنا لا أدري تحديداً المطلوب
وجدت الفصل على بكرة أبيه واقفاً (حوالي خمسون طالباً) و صديقي وقف بدوره في مكانه
كان أستاذ الجغرافيا الذي أحترمه و بشده و هو صعيدي رائع لن ينساه من عرفه أبداً:
-قل لهم يا أحمد الإجابة
صعقت
قلت بهدوء:
-لا أعرف....أول مرة لا أذاكر الجغرافيا بعد الحصة......هناك امتحان لغة إنجليزية
ضحك كل من في الفصل إلا الأستاذ
ارتعشت
و حدقت في اللاشئ
و لا زلت كلما أتذكر اللحظة أرتعش
نظر إليّ و وجهه قد احمرّ
قال:
-طيب روح إنتا يا أحمد دلوقتي
نفس هذا الرجل هو الذي علمني حب التاريخ و الجغرافيا لذلك لا تستغرب مجلة ناشيونال جيوجرافيك معي أحياناً...
اسمه أستاذ بكري
Monday, 7 February 2011
رجل غبي آخر - قصة
ترى هل كان بانتظاري لأكتب شيئاً عما سيدور برأسي عندما أراه؟
كان يتوسد مجموعة من ثلاثةكتب, و يغلق عينيه مستجديا أن يزوره النوم فوق ذلك الرصيف الذي اتخذه سريرا,متوسداً كتبه المفضلة و ملتحفاً السماء...
كنت أعبر الطريق,توقفت,كنت أعرف ذلك الرجل من قبل,في البداية أخذ سؤال من هو؟ يلح على ذهني,لم أعرف بالتحديد الرجل لكنه مألوف,تنامى هذا الشعور الغبي و الذي يدفعني لمحاولة تذكر شخص لا أعرفه,تذكرت!
هو:بائع الكتب المستعملة و القديمة على ناصية شارع اعتدت المرور به
كان هو
نعم,هو
هو
اقتربت قليلاً أتأمله في وضعه الجنيني و يده تقبض على كتاب ما..
لم يكن ميتاً
على الأقل بالمعنى الحرفي للكلمة
و لم يكن حياً كذلك,
أخرجت ورقة نقدية لأعطيها له,و بالفعل انحنيت تجاهه و نظري مركز على وجهه,لكني لم أضع الورقة بجانبه,تراجعت و استدرت مبتعداً عنه,
هذا الرجل مجنون تماماً:
ليس لأنه الآن ينام فوق الرصيف حقيقةً لا مجازاً, بل لأنه فكر في بيع الكتب كمهنة في هذا البلد الغبي,في هذا الزمن الغبي,و لهؤلاء البشر الأغبياء.
8\2\2011
كان يتوسد مجموعة من ثلاثةكتب, و يغلق عينيه مستجديا أن يزوره النوم فوق ذلك الرصيف الذي اتخذه سريرا,متوسداً كتبه المفضلة و ملتحفاً السماء...
كنت أعبر الطريق,توقفت,كنت أعرف ذلك الرجل من قبل,في البداية أخذ سؤال من هو؟ يلح على ذهني,لم أعرف بالتحديد الرجل لكنه مألوف,تنامى هذا الشعور الغبي و الذي يدفعني لمحاولة تذكر شخص لا أعرفه,تذكرت!
هو:بائع الكتب المستعملة و القديمة على ناصية شارع اعتدت المرور به
كان هو
نعم,هو
هو
اقتربت قليلاً أتأمله في وضعه الجنيني و يده تقبض على كتاب ما..
لم يكن ميتاً
على الأقل بالمعنى الحرفي للكلمة
و لم يكن حياً كذلك,
أخرجت ورقة نقدية لأعطيها له,و بالفعل انحنيت تجاهه و نظري مركز على وجهه,لكني لم أضع الورقة بجانبه,تراجعت و استدرت مبتعداً عنه,
هذا الرجل مجنون تماماً:
ليس لأنه الآن ينام فوق الرصيف حقيقةً لا مجازاً, بل لأنه فكر في بيع الكتب كمهنة في هذا البلد الغبي,في هذا الزمن الغبي,و لهؤلاء البشر الأغبياء.
8\2\2011
من مقدمة كتاب الإغواء الأخير للسيد المسيح - نيكوس كازانتزاكس
في داخلي تكمن القوى المظلمة السحيقة القدم للجانب الشرير,الإنساني,و ما قبل الإنساني,و في داخلي أيضا القوى المضيئة,إنسانية و ما قبل إنسانية,لله,و كانت روحي ساحة...تصادم عليها هذان الجيشان و تقاتلا
كان الألم مبرحاً,لقد أحببت جسدي و لم أرد له أن يفنى,و لم أرد لها أن تبلى,جاهدت لآصالح بين هاتين القوتين الأساسيتين الشديدتي التناقضلآجعلهما تدركان أنهما ليستا عدوتين و إنما زميلا عمل,أملا في أن تبتهجا في عملها في عملهما و أن أبتهج معهما
كان الألم مبرحاً,لقد أحببت جسدي و لم أرد له أن يفنى,و لم أرد لها أن تبلى,جاهدت لآصالح بين هاتين القوتين الأساسيتين الشديدتي التناقضلآجعلهما تدركان أنهما ليستا عدوتين و إنما زميلا عمل,أملا في أن تبتهجا في عملها في عملهما و أن أبتهج معهما
Friday, 31 December 2010
ذات خريف - قصة
كانت العصا تترك أثراً غائراً فوق الأرض الترابية, و كان هو رجلاً ينظر إلى العالم من خلال نظارة ذات إطار مذهب,و كان جسده المستند على العصا يبدو منهكا و مضحكاً لمن يراه يسرع في خطواته,في مشيته تلك كان يحرص ألّا يدوس بحذائه الثمين فوق أوراق الشجر الذهبية التي كانت تحتضر في سكون في ذلك الخريف,لقد كان يعلم كل شيء قبل أن يخبره الطبيب,بل إنه كان يتفاجأ من قبل حينما كانوا يخبرونه أنه على ما يرام و جسده سليم,كان يريد لو أخبر الطبيب أن الورم لم يبدأ من سنة و بضعة أشهر كما رجحت الفحوصات بل إن ذلك الورم بدأ منذ زمن بعيد داخل روحه و جعله يفقد الإحساس بوجوده,تحديداً عندما أصبحت الحياة مملة في ناظريه و أصبحت عبئاً ثقيلاً,و ظل ذلك الورم يكبر بداخله حتى التهمه و أفقده القدرة على الفرح و السرور,لم يُعلم أحداً بخروجه و كان يعلم أن اختفاءه سيسبب فزع لزوجته وأولاده,لكن,إنها الرغبة الأخيرة لرجل يحتضرسيغفرون له,حتماً سيغفرون, كان يزور للمرة الأخيرة ذلك المكان الذي قضى فيه طفولته و صباه,عله يؤرخ ما لا تاريخ له,و يرى أثر الزمن على الأشياء العادية و التي تبدوا للناس العاديين تافهة,بينما الأطفال يرونها عالماً متفرداً و سحريّاً,علّ عودته كانت ليقابل ذلك الطفل الذي تركه يلهو فوق تلك الأرصفة و يرى الوجود كما يحب الوجود أن يراه البشر,تأمل شرفةً مغلقة في مبنى عتيق,و تساءل ربما كانت شرفة منزله القديم,عندما كان الوقت يمر متمهلاً ببطء,و عندما كان بيته الضيق عالماً واسعاً جميلاً,ربما لأن الأطفال يرون العالم بعدسة مكبرة, كان المنزل يبدو بين المنازل دخيلاً,توقفت عيناه عند سرب من الحمام يدور و يتفرق بعضه عن بعض ثم يرجع مرةً أخرى ليلتقي و يطير فرحاً بالحياة رغم أن السماء كانت رمادية,ما يذكره الرجل جيداً أن السماء كانت أيضاً رمادية و كانت هناك غربان تنعق يوم قرر أن يرحل بلا عودة,ما يذكره أيضاً أنه كان شعلةً من الثورة على كل شيء,الحياة,الفقر,العادات القديمة,الشوارع الضيقة,البشر التقليديين,كل شيء,حتى أهله المقربين كان ثائراً عليهم,وصل الرجل إلى مصطبة حجرية لمنزل مطل على ساحة ترابية واسعة,كان يرى في ذلك الشباب البعيد أن الجحيم هو الحياة في منزل كهذا المنزل,بينما تمر الأيام ببطء,جلس الرجل على المصطبة و وضع عصاه بجانبه بينما ترك رئتيه تمتصان الهواء المنعش في هدوء مغلقاً عينيه للحظات ثم فتحهما فجأةًعلى مشهد رومانسي هاديء للساحة الواسعة و الخالية إلا من أشجار بلا أوراق و كلبٍ كسولٍ نائم.
أخرج من جيب سترته كيساً مليئاً بالحبوب و بدأ ينثر منها فوق الأرض الترابية,أخرج محفظته الجلدية و ساعته الذهبية,و كاد أن يخلع خاتم زواجه الذهبي لكنه عدل عن ذلك,مسد شعره الذي ما زال يحتفظ بلونه البني رغم تقدمه في العمر,استمر ينثر الحبوب أمامه حتى بدأ الحمام يتجمع ليلتقط الحبات بينما استمرت الأوراق الذهبية تتساقط معلنةً انتهاء حياة و مبشرة بحياة جديدة ستأتي,أشعل الرجل سيجارة أخيرة و امتص منها الدخان بعمق,واصل نثر الحبوب ثم ترك الكيس فجأة يسقط بجانبه,اسند ظهره إلى الجدار و تذكر يوماً ما في ماضيه,حيث كان طفلاً تدهشه الحمائم,أغلق عينيه بينما استمرت سيجارته تتناقص و استمرت الحمائم تلتقط الحبات,و استمرت رياح تحرك الأوراق الذهبية صانعةً لحنا جنائزياً....
Wednesday, 29 December 2010
ذات مرة في المقهى - قصة
كان الوقت نحو الساعة الخامسة عصرا ذات سبت خريفي بعيد,خرج هو من مسكنه بعد أن أنهى محادثة مكررة و مملة مع زوجته,كاد أن يصاب بنوبة قلبية عندما وجدها نسيت مصباح الحمام مفتوحا,أغلقه في صمت فزوجته بوجه خاص لا تقبل انتقاداته و كذلك تتكلم كثيرا,أغلق باب الشقة,نزل الدرج ببطء,لم ينس أن يغلق باب المنزل الخارجي جيدا و لم ينس أن يعلن استياءه بأن هز رأسه يمينا و يسارا للا أحد حيث لم يجد البواب في مكانه المعتاد:يدخن على عتبات العقار الخارجية حيث يستلذ صاحبنا بلعن العادة الذميمة التي تفني المال و العمر و ينتقد البواب و مظهره الذي لا بد لا يعجبه,كانت حياته بعد أن أحيل للتقاعد دائرة مفرغة لذلك كانت أمتع اللحظات عندما يخرج بعد غداءه ليجلس على مقهى من مقاهي وسط البلد,لم يكن من رواد المقاهي أبدا و كان يعلنها أن المقاهي لا فائدة منها و روادها أغبياء,لكن الملل الشديد بعد المعاش كان أقوى من إيمانه القوي بمبادئه,لذلك جعل يتردد على المقهى,كان يجلس وحيدا دائما,لذلك كان يغير من المقهى كل فترة من الزمن,مر من أمام بائعة للخضر كان يمر بها يوميا ألقى السلام عليها و كعادتها لم ترد,عندما تكرر ذلك منها تكلم معها فأخبرته أنها تسرح كثيرا و تفكر في ابنها الذي سافر منذ عدة سنوات و انقطعت أخباره,واصل الطريق للمقهى الجديد الذي سيجربه للمرة الأولى,جلس في البداية ساهما ينظر للا شيء ثم بدأ عادته في انتقاد كل شيء حوله لا يسير وفقا لما يراه,كان المقهى في شارع جانبي لا يعد مظهره بشئ أو بأحداث لها أي قيمة,كان جماعة من ثلاث شباب يجلسون أمامه و يتبادلون حديثا لم يجتذب فضوله-كان هو يجلس فوق كرسي وضع فوق الرصيف و على يمينه كرسي فوقه شال نسائي و حقيبة نسائية متروكين بجانب كتاب مغلق ذو غلاف أزرق,بينما يجلس على يساره فتى يضع سماعات في أذنية,شعر رجلنا هنا بالإهانة فهذا الشاب بالنسبة له لا يقهر-و كأنه ارتدى السماعات فقط ليمنع رجلنا من توجيه التعليقات إليه ,بعد قليل انتبه أن هناك امرأة جلست بجانبه ووضعت الكتاب ذو الغلاف الأزرق فوق الطقطوقة التي أمامها,بدأ ينسى الشاب و طلب قهوة سكرها مضبوط كي يدعي أنها زيادة فيما بعد,كان الكتاب ذو الغلاف الأزرق مقتحما,نظر إليه صاحبنا نظرة طويلة,كشر صاحبنا عندما قرأ العنوان,و رفع رأسه نحو المرأة,كانت فتاة صغيرة السن نسبيا بالنسبة لكتاب لم يستطع-و هو الرجل الستيني-فهم عنوانه عوضا عن الاسم الأغرب من العنوان,أخرج نظارته الطبية ووضعها فوق أنفه,كان يشعر بالحرج حيث الفتاة لم تكن ترتدي نظارة طبية,التفت إليها و ارتفع حاجباه بشدة لما رآه,كان المشهد الذي رآه يمنع الحروف من أن تتكون على لسانه,كانت الفتاة تمسك في يمينها سيجارة تعب منها كل فترة,بينما يسراها تكتب في دفتر مفتوح,كانت قهوته قد وصلت لكنه لم يكن ذا مزاج رائق ليعاتب القهوجي الشاب,امتدت يده إلى كوب الماء كأنه يستعد للمعركة الكلامية التي سيواجه بها الفتاة التي تجرأت أت تكتب و تدخن و تترك كتابها أمامه,جرع الماء بسرعه رغم أن الكوب كان متسخا حقيقة لا مبالغة,استأذن منها الرجل و التقط الكتاب,قرأ فيه قليلا ثم وضعه في قرف,أخبرها أن هذا كتاب لا فائدة منه إطلاقا و أن نقودها ذهبت هباء و أن التدخين لا يناسب الفتيات و كان وجهه شديد الاحمرار بلا سبب منطقي,ارتعبت الفتاة حتى إنها رمت السيجارة بسرعة,كادت تفتح فمها لترد إلا أن صاحبنا ترك المكان و رحل دون حتى أن يشرب قهوته-لكنه ترك نقودا للقهوجي-في طريق العودة نسي أن يلقي التحية على المرأة بائعة الخضر و لم ينتقد البواب,دخل الشقة بسرعة,غسل وجهه بالماء البارد,نسي أن يغلق مصباح الحمام,دخل لينام.\
في الثالثة صباحا استيقظت الزوجة على ضجة في خارج غرفة النوم,فتحت المصباح,خرجت و عيونها نصف مغلقة,وجدت زوجها يمسك بقلم رصاص و يكتب في أوراق أمامه,ووجدته للمرة الأولى يدخن سيجارة,بل إن مصباح الحمام كان مفتوحاً!
في الثالثة صباحا استيقظت الزوجة على ضجة في خارج غرفة النوم,فتحت المصباح,خرجت و عيونها نصف مغلقة,وجدت زوجها يمسك بقلم رصاص و يكتب في أوراق أمامه,ووجدته للمرة الأولى يدخن سيجارة,بل إن مصباح الحمام كان مفتوحاً!
كومبارس آخر - قصة
كانت غرفة جانبية صغيرة في كواليس المسرح القديم,وقف الممثل ذو السن الكبير أمام غرفته الصغيرة و التي ظل يبدل فيها ملابسة كل ليلة بعد أن ينتهي العرض و الذي كان ينتهي كل مرة قبل أن يبدأ المشاهدون بالملل,فتح الباب الذي ظل يفتح كل ليلة في نفس التوقيت و لمدة عشرين سنة,دخل,أغلق الباب,خلع نفس المعطف الذي ظل يرتديه منذ سنين,نفس اللون الأحمر النبيذي,كل يوم,حتى أصبح جزءا منه,جلس على الكرسي المواجه للمرآة,تناول منشفة مبللة كان يحضرها كل يوم قبل العرض,بدأ ينزع عن وجهه المساحيق الكثيفة,و مع كل مساحة تخلو من المساحيق,كانت التجاعيد التي تغطي وجهه العجوز تظهر أمامه و تفرض نفسها فوق سطح المرآة الأملس,لطالما لاحظ:مع تقدم العمر كانت كمية المساحيق تزداد لأن مساحات التجاعيد كانت تزداد,بينما دوره في المسرحية لم يتغير,و لم يكبر,كان دوره في هذه المسرحية التي ظلت تعرض كل هذه المدة صغيرا,وغير مهم بالمرة,في رأي النقاد و الممثلين و العالم,فقط هو كان يحب هذا الدور,و كان يؤديه كل ليلة و كأنها المرة الأولى,بنفس الحماس الذي لم يمت يوما,وضع منشفته المبللة بينما ظلت المساحيق تغطي مساحات من وجهه,خلع الشعر المستعار ذا اللون الأسود,و تذكر معه أنه يوما ما عندما مثل الدور للمرة الأولى لم يكن يحتاج ذلك الشعر المستعار,كان شعره أسودا.
فتح الدرج العلوي من خزانة أمام المرآة,أخرج صورة قديمة تظهره شابا يبتسم في خجل في جانب الصورة,بينما تصدر الصورة أعضاء المسرحية الأصليين,كانت تلك الصورة قد التقطت قبل العرض الأول بساعات,كان الجميع متحمسين,و متخوفين,كان ذلك قبل أن يرحل من رحل و يموت من مات,و يتبدل الممثلون بينما تستمر الأدوار,فقط هو استمر يؤدي دوره الأول,تأمل الصورة قليلا بصمت حزين,ثم تعجب كيف مرت السنون و هو لم يترك دوره الصغير,لم يكن سوى كومبارس!.
استرخى في مقعده,أغمض عينيه لثوان قليلة,بدل ملابس التمثيل التي طالما ارتداها حتى أصبحت كجلده,حتى إنه كان يشعر أن ملابسه الأصلية هي ملابس التمثيل,وضع الصورة في الدرج مرة أخرى,فتح باب الغرفة,و تأملها مليا للمرة الأخيرة,و توقفت عيناه قليلا عند اللون النبيذي للمعطف,أغلق المصباح الكهربي,و أغلق الباب,خرج من المسرح و قد غزت قشعريرة مريرة جسده النحيل,عندما أصبح في الشارع البارد,وقف لحظات يتأمل المسرح القديم,تأمل البوسترات الجديدة لمسرحية أخرى لن يمثل فيها دور الكومبارس,كانت تلك المسرحية سيبدأ عرضها غدا,حيث كانت الليلة هي العرض الأخير لمسرحيته الأولى و الأخيرة.
دوى صوت التصفيق بغتة في رأسه,و معه تذكر السنوات الطويلة,وضع يديه في جيوبه,و أعطى ظهره للمسرح الصغير بينما وجهه كان نحو الحياة,حيث المسرح الكبير,بلا شعر مستعار و بلا مساحيق.
فتح الدرج العلوي من خزانة أمام المرآة,أخرج صورة قديمة تظهره شابا يبتسم في خجل في جانب الصورة,بينما تصدر الصورة أعضاء المسرحية الأصليين,كانت تلك الصورة قد التقطت قبل العرض الأول بساعات,كان الجميع متحمسين,و متخوفين,كان ذلك قبل أن يرحل من رحل و يموت من مات,و يتبدل الممثلون بينما تستمر الأدوار,فقط هو استمر يؤدي دوره الأول,تأمل الصورة قليلا بصمت حزين,ثم تعجب كيف مرت السنون و هو لم يترك دوره الصغير,لم يكن سوى كومبارس!.
استرخى في مقعده,أغمض عينيه لثوان قليلة,بدل ملابس التمثيل التي طالما ارتداها حتى أصبحت كجلده,حتى إنه كان يشعر أن ملابسه الأصلية هي ملابس التمثيل,وضع الصورة في الدرج مرة أخرى,فتح باب الغرفة,و تأملها مليا للمرة الأخيرة,و توقفت عيناه قليلا عند اللون النبيذي للمعطف,أغلق المصباح الكهربي,و أغلق الباب,خرج من المسرح و قد غزت قشعريرة مريرة جسده النحيل,عندما أصبح في الشارع البارد,وقف لحظات يتأمل المسرح القديم,تأمل البوسترات الجديدة لمسرحية أخرى لن يمثل فيها دور الكومبارس,كانت تلك المسرحية سيبدأ عرضها غدا,حيث كانت الليلة هي العرض الأخير لمسرحيته الأولى و الأخيرة.
دوى صوت التصفيق بغتة في رأسه,و معه تذكر السنوات الطويلة,وضع يديه في جيوبه,و أعطى ظهره للمسرح الصغير بينما وجهه كان نحو الحياة,حيث المسرح الكبير,بلا شعر مستعار و بلا مساحيق.
Friday, 27 August 2010
ثلاثة نصوص زرقاء
جلست تحدق في اللاشيء و تعبث بضفائرها الذهبية,
بينما مياه البحيرة تتسلى بكسر ثبات الفلوكة,و القمر الناعس يغازل سحباً رمادية سئمت انتظار المستحيل,الذي لا يأتي...
بعدما مرت الساعات على عجل و اختفى القمر و رحلت السحب
اقتلعت عينيها حتى لا تحدق في الهاوية مرة أخرى, وأخذت تجدف باتجاه الشمس عكس اتجاه الريح و العقل و البشر...
ابتلعت حبة ال اس دي و زادت من صوت المذياع الذي خرج منه صوت رجل يغني بلغة ليست لغتها لأناس ليسوا أهلا لها...
كل ما تعلمه
أن عليها أن تجدف
بقوة
و بلا هدف
ككل البشر,الذين اقتلعوا أعينهم!
..
نائم في غرفة انتظار الموت التي هي غرفة معيشته أمام التلفاز,
تسقط يده في الهواء قاذفة بجهاز التحكم الوضيع فوق الأرضية المتسخة...ينتبه و يفتح عينيه قليلاً
ينظر نحو التلفاز الغبي,
يمسك بجهاز التحكم مرة أخرى,
يفتح التلفاز الغبي
يشاهد رجل يشبهه
في مثل سنه
يجلس فوق مقعد مريح و يحدق فيه بكل ما في الكون من غباء
يكشر
يغضب
يقف
يجلس
و الرجل الأحمق ما زال يحدق
يحاول تغيير المحطة
لسبب ما لا يعمل جهاز التحكم
يلقيه نحو التلفاز بعنف
يرتد الجهاز ككرة تنس ليضربه في رأسه بقوة
ينزف
يبكي في قهر
يلعن الزمان
يغمض عينيه
يكمل الانتظار
..
فتح النافذة
تاركا أشعة الشمس تدخل
أخيرا صار رجلا مستقلا
هكذا فكر
أشعل السيجارة الأولى و تلذذ بدخانها للحظات
حك صدره من فوق البيجامة في ملل
نظر قليلا نحو ملابسه و حقيبته و أول يوم يذهب فيه إلى العمل
فكر
فكر من جديد
قرر أن يقفز من النافذة
بلا سبب مقنع
ألقى السيجارة
وضع قدمه فوق سور النافذة
نطق بالشهادتين
نظر إلى الساعة نظرة جانبية
تململ
أعاد قدمه إلى الأرض
ارتدى ملابسة مسرعا و ذهب إلى العمل
فهو لم يصر رجلا بعد
أحمد طارق
بينما مياه البحيرة تتسلى بكسر ثبات الفلوكة,و القمر الناعس يغازل سحباً رمادية سئمت انتظار المستحيل,الذي لا يأتي...
بعدما مرت الساعات على عجل و اختفى القمر و رحلت السحب
اقتلعت عينيها حتى لا تحدق في الهاوية مرة أخرى, وأخذت تجدف باتجاه الشمس عكس اتجاه الريح و العقل و البشر...
ابتلعت حبة ال اس دي و زادت من صوت المذياع الذي خرج منه صوت رجل يغني بلغة ليست لغتها لأناس ليسوا أهلا لها...
كل ما تعلمه
أن عليها أن تجدف
بقوة
و بلا هدف
ككل البشر,الذين اقتلعوا أعينهم!
..
نائم في غرفة انتظار الموت التي هي غرفة معيشته أمام التلفاز,
تسقط يده في الهواء قاذفة بجهاز التحكم الوضيع فوق الأرضية المتسخة...ينتبه و يفتح عينيه قليلاً
ينظر نحو التلفاز الغبي,
يمسك بجهاز التحكم مرة أخرى,
يفتح التلفاز الغبي
يشاهد رجل يشبهه
في مثل سنه
يجلس فوق مقعد مريح و يحدق فيه بكل ما في الكون من غباء
يكشر
يغضب
يقف
يجلس
و الرجل الأحمق ما زال يحدق
يحاول تغيير المحطة
لسبب ما لا يعمل جهاز التحكم
يلقيه نحو التلفاز بعنف
يرتد الجهاز ككرة تنس ليضربه في رأسه بقوة
ينزف
يبكي في قهر
يلعن الزمان
يغمض عينيه
يكمل الانتظار
..
فتح النافذة
تاركا أشعة الشمس تدخل
أخيرا صار رجلا مستقلا
هكذا فكر
أشعل السيجارة الأولى و تلذذ بدخانها للحظات
حك صدره من فوق البيجامة في ملل
نظر قليلا نحو ملابسه و حقيبته و أول يوم يذهب فيه إلى العمل
فكر
فكر من جديد
قرر أن يقفز من النافذة
بلا سبب مقنع
ألقى السيجارة
وضع قدمه فوق سور النافذة
نطق بالشهادتين
نظر إلى الساعة نظرة جانبية
تململ
أعاد قدمه إلى الأرض
ارتدى ملابسة مسرعا و ذهب إلى العمل
فهو لم يصر رجلا بعد
أحمد طارق
Subscribe to:
Posts (Atom)



